ابن كثير

117

البداية والنهاية

الأربعة سعيدا ومسعودا ومخلدا ومحمدا ، وطالبهم بالأموال الكثرة . وكان سبب ذلك ما ذكره ابن عساكر في ترجمة أبي جعفر المنصور ، وهو أنه كان في زمن شبيبته قد ورد الموصل وهو فقير لا شئ له ولا معه شئ ، فأجر نفسه من بعض الملاحين حتى اكتسب شيئا تزوج به امرأة ، ثم جعل يعدها ويمينها أنه من بيت سيصير الملك إليهم سريعا ، فاتفق حبلها منه ، ثم تطلبه بنو أمية فهرب عنها وتركها حاملا ، ووضع عندها رقعة فيها نسبته ، وأنه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، وأمرها إذا بلغها أمره أن تأتيه ، وإذا ولدت غلاما أن تسميه جعفرا . فولدت غلاما فسمته جعفرا . ونشأ الغلام فتعلم الكتابة وغوى العربية والأدب ، وأتقن ذلك إتقانا جيدا ، ثم آل الامر إلى بني العباس ، فسألت عن السفاح فإذا هو ليس صاحبها ، ثم قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكتاب الرسائل فأعجب به أبو أيوب المورياني صاحب ديوان الانشاء للمنصور ، وحظي عنده وقدمه على غيره ، فاتفق حضوره معه بين يدي الخليفة فجعل الخليفة يلاحظه ، ثم بعث يوما الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه ذلك الغلام ، فكتب بين يدي المنصور كتابا وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمله ، ثم سأله عن اسمه فأخبره أنه جعفر ، فقال : ابن من ؟ فسكت الغلام ، فقال : مالك لا تتكلم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إن من خبري كيت وكيت ، فتغير وجه الخليفة ثم سأله عن أمه فأخبره ، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجب . ثم قام إليه الخليفة فاحتضنه وقال : أنت ابني . ثم بعثه بعقد ثمين ومال جزيل وكتاب إلى أمه يعلمها بحقيقة الامر وحال الولد . وخرج الغلام ومعه ذلك من باب سر الخليفة فأحرز ذلك ثم جاء إلى أبي أيوب فقال : ما بطأ بك عند الخليفة ؟ فقال : إنه استكتبني في رسائل كثيرة ، ثم تقاولا ، ثم فارقه الغلام مغضبا ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمه ويحملها وأهلها إلى بغداد ، إلى أبيه الخليفة . فسار مراحل ، ثم سأل عنه أبو أيوب فقيل سافر فظن أبو أيوب أنه قد أفشى شيئا من أسراره إلى الخليفة وفر منه ، فبعث في طلبه رسولا وقال : حيث وجدته فرده علي . فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر وأخذ ما كان معه فرجع به إلى أبي أيوب . فلما وقف أبو أيوب على الكتاب أسقط في يده وندم على بعثه خلفه . وانتظر الخليفة عود ولده إليه واستبطأه وكشف عن خبره فإذا رسول أبي أيوب قد لحقه وقتله . فحينئذ استحضر أبا أيوب وألزمه بأموال عظيمة ، وما زال في العقوبة حتى أخذ جميع أمواله وحواصله ثم قتله ، وجعل يقول : هذا قتل حبيبي . وكان المنصور كلما ذكر ولده حزن عليه حزنا شديدا . وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية . فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا ، ما بين فارس وراجل ، وعليهم أبو حاتم الأنماطي ، وأبو عباد ( 1 ) . وانضم إليهم أبو قرة

--> ( 1 ) في البيان المغرب 1 / 77 : أبو حاتم الأباضي وأبو غادي ، وفي الطبري : أبو عاد .